الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

207

شرح ديوان ابن الفارض

[ شرح القصيدة الثالثة ] [ مقدمة الشارح ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي أورد أولياءه مناهل الصفا ، وهداهم بلطفه إلى سلوك سبيل المودّة والصفا ، وجعل صبا الغرام تهبّ على رياض أسرارهم ، وتسري فتسرّ لقلوبهم أحاديث أخبارهم ، والصلاة والسلام على من أبرأ بهدايته مرض القلوب ، وأزال بإشراق حكمته عن الأفئدة غيوم الغيوب ، وعلى آله أشرف الأنام وأصحابه السّادة الكرام ما أطرب سجع الحمام وفاح نشر البشام ، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم القيام . أما بعد . . . فإن اللّه تعالى قد خصّ أولياءه الكرام بحقائق يبرزونها لذوي الأفهام منجلية عليهم في حلل النظام لأن الأفكار السليمة والطّباع المستقيمة تميل إلى الكلام المنظوم طبعا فتقرّ به عينا ، وتلتذّ به سمعا . وقد اختصّ الأستاذ الكامل الرّافل في حلل الفضائل ذو النفس القدسية ، والصفات المسكيّة ، سيدي وسندي الشيخ عمر بن الفارض ، سقى اللّه ثرى قبره الشريف أعذب عارض من ذلك بأوفى نصيب ، وأنسى كل محبّ برقائق نظمه ذكرى حبيب قد سبح في بحار النظام واستخرج دررا يحار فيها النظام ، فهو سلطان العاشقين على الإطلاق ، وصاحب علم أعلام المحبّين بالاتفاق . قد شغفت بكلامه في إبّان الشباب ، وتمسّكت من محبته بأوثق الأسباب ، واستعنت على فهم كلامه بالاعتقاد الصادق والغرام الذي زاد على جميل ووامق ، فسألني من تهذّبت أخلاقه بخدمة الطريق ، وسلك في مجاز السالكين على التحقيق أن أعلّق له شرحا على تائيته الصغرى لأنها لم تزل عذراء بكرا ، ولم يتسهّل لها شرح يكشف عن مخدّراتها النّقاب ، ويزيل عن مستوراتها حجاب الاحتجاب ، فأجبته إلى سؤاله رغبة في دعائه المقبول ، وطمعا في أن أنتظم في سلك خدمة الأولياء الفحول ، وأنا وإن كنت لم أظفر من وصفهم بمقدار حبّة فيكفيني أن أذكر ولو على المجاز من أهل المحبّة : وإن لم أفز حقّا إليك بنسبة * لعزّتها حسبي افتخارا بتهمتي